الشيخ محمد رشيد رضا
102
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ماذا كان شأن اليهود في زمن البعثة ؟ ذل واضطهاد من جميع الأمم ولا سيما النصارى ، فقد كانوا يسومونهم سوء العذاب ، ومنعوهم من دخول مدينتهم المقدسة وأكرهوهم في بعض البلاد على التنصر ماذا كان شأن النصارى في زمن البعثة ؟ فقر حاضر ، وذل غالب ، وحجر على العقول ، ومنع للحرية في الرأي والعلم ، وتحكم في الإرادة ، وسيطرة على خطرات القلوب وأهواء النفوس كان هذا عاما في كل قطر وكل مملكة ، وكان بين الطوائف بعضها مع بعض حروب تشب ، وغارات تشن ، ودماء تسفك ، وحقوق تنتهك ، وكانوا على هذا كله يتوهمون أن الاسلام سيخرجهم من سعادة إلى شقاء ، ومن نعمة إلى بلاء ، هب أن بعضهم كان له شيء من المال ، وبقية من الجاه ، أليس هو من فخفخة الدنيا الزائلة ، ألم يكن منغصا بالخوف عليه والمنازعة فيه ؟ هب انه كان لبعض شعوبهم طائفة من القوة ، ألم تكن تشبه الزوبعة تعصف ولا تلبث أن تزول ؟ نعم ان ما كان يغر هؤلاء وهؤلاء لم يكن موضعا للغرور ، لأنه متاع حقير ، وثمن قليل ، وهو غير قائم على أساس ثابت ، ولذلك زال بظهور الاسلام وانتشاره ، وتقوضت تلك السلطة ، واندكت صروح تلك العظمة ، وأجلي اليهود من جزيرة العرب ، وزال ملك غيرهم من كل بلاد رفضوا فيها دعوة الاسلام . وهذا شأن الباطل لا يثبت أمام الحق ، فان أحكام الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها ، وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها ، وحكم الحق هو الثابت بذاته ، فلا يغلب أنصاره ما داموا معتصمين به ، مجتمعين عليه وقال المفسرون ان هذا الحكم يصدق على المسلمين كما يصدق على أهل الكتاب لان الغرض تقرير الحكم وهو عام كما يدل لفظه ، وكما يليق بعدل اللّه تعالى رب العالمين ، وكما هو ظاهر معقول من اطراد سنة اللّه تعالى في تأييد أنصار الحق وخذل أهل الباطل فإنها واضحة جلية للمتأملين كل ثمن يؤخذ عوضا عن الحق فهو قليل : إن لم يكن قليلا في ذاته فهو قليل في جنب ما يفوت آخذه من سعادة الحق الثابتة بذاتها ، والدائمة بدوام المحافظة على الحق . ولو دام للمبطل ما يتمتع به من ثمن الباطل إلى نهاية الاجل - وما هو إلا